08‏/04‏/2026

الزواج

أقبل عمرو بن حجر طالبًا الزواج من عوف بن محلم الشيباني، راغبًا في الاقتران بابنته أمّ إياس، فوافق عوف على هذا الطلب، غير أنه اشترط شرطًا محددًا، فقال: أزوّجك ابنتي على أن تكون لي سلطة تسمية أبنائها الذين ستلدهم، وكذلك أتولى تزويج بناتها حين يكبرن.

فأجابه عمرو بن حجر موضحًا موقفه من هذا الشرط، فقال: أما الأبناء الذين سيولدون لنا، فإننا سنقوم بتسميتهم بأسمائنا وأسماء آبائنا وأعمامنا، محافظةً على تقاليدنا وأنسابنا، وأما البنات فإننا سنحرص على تزويجهنّ من الأكفاء اللائقين بهن من الملوك وأبناء البيوت الرفيعة. ثم أردف قائلاً: على أني سأجعل صداقها عقارًا ثابتًا في أرض كندة، إضافة إلى أنني سأقضي حوائج قومها وألبّي مطالبهم، فلا أردّ لأحد منهم طلبًا ولا حاجة.

فلما سمع عوف بن محلم هذا العرض وما فيه من كرم وسخاء ومكانة، رضي به وقَبِل هذه الشروط، فزوّج ابنته أمّ إياس من عمرو بن حجر، وتمّ الزواج على ذلك.

وحين دخلت أمّ إياس بيت زوجها، وأصبح بينهما بناء الزواج، انفردت بها أمها لتسدي إليها نصائح ثمينة، وخلاصة تجربة طويلة في الحياة الزوجية، فقالت لها كلامًا جامعًا محكمًا:

يا بنيّتي، إنك قد غادرتِ بيتك الذي نشأتِ فيه وترعرعتِ بين جدرانه، وابتعدتِ عن موطن ألفتك وراحتك، وانتقلتِ إلى رجل لم تعهديه من قبل، ولم تألفي طباعه، وصرتِ قرينة له وشريكة حياته؛ فاجعلي نفسك له بمنزلة الأمة المطيعة، يكن لك بمنزلة العبد المحبّ المخلص.

ثم أوصتها بأن تحفظ عشر خصال عظيمة الشأن، إن هي التزمت بها كانت لها زادًا وذخرًا في حياتها، فقالت:

أما الخصلة الأولى والثانية، فهما أن تتحلّي بالخضوع له مقرونًا بالقناعة، وأن تحسني الإصغاء إليه وتلتزمي طاعته في المعروف، فلا تعانديه ولا تخالفيه بغير حق.

وأما الثالثة والرابعة، فأن تتفقدي موضع نظره وموضع شمه منك، فلا تقع عيناه منك على منظر يكرهه أو يستقبحه، بل يراكِ دائمًا في هيئة حسنة جميلة، ولا يشم منك إلا أطيب الروائح وأزكاها.

وأما الخامسة والسادسة، فأن تراعي أوقاته، خاصة وقت نومه وطعامه؛ لأن الجوع إذا اشتد أوقد الغضب وأثار الحدة، واضطراب النوم أو نقصه يولد الضيق والانفعال.

وأما السابعة والثامنة، فأن تحافظي على ماله فلا تضيعيه ولا تسرفي فيه، وأن تحسني رعاية خدمه وأهله وعياله، فأساس النجاح في إدارة المال هو حسن التقدير والاقتصاد، وأساس حسن رعاية العيال هو التدبير الحكيم والتنظيم.

وأما التاسعة والعاشرة، فإياك أن تخالفي له أمرًا أو تفشي له سرًا؛ لأن مخالفة أمره قد تثير غضبه وتوقد صدره، وإفشاء سره يعرضك لفقدان ثقته وربما لغدره وسوء عاقبة الأمر.

ثم ختمت نصيحتها بوصية دقيقة فقالت: احذري أن تُظهري الفرح والسرور بين يديه إذا كان مهمومًا أو حزينًا، كما احذري أن تظهري الكآبة والحزن إذا كان هو في حال سرور وفرح، بل شاركيه حاله ووافقي شعوره.

وقد أثمرت هذه الحياة الزوجية، فولدت أمّ إياس لعمرو بن حجر ولدًا اسمه الحارث بن عمرو، الذي صار فيما بعد جدّ الشاعر الشهير امرئ القيس......تم...
لا تنسى متابعة الصفحة ولايك وتعليق فضلا منك ودعما لنا.......
      احبكم في الله جميعا......
        ......تحياتي......

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق